ابن عجيبة

379

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يحاسب إلا هو ، ولعل آلاف آلاف ألف مثله في لحظة واحدة . وكل منهم يظن ظنه ، لا يرى بعضهم بعضا ، ولا يسمعه ، وهو قوله تعالى : ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ . ه . إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لقول من ينكر البعث من المشركين ، بَصِيرٌ بأعمالهم ، فيجازيهم . الإشارة : أوصاف الباري سبحانه كلها كاملة ، غير محصورة ولا متناهية ؛ من علم ، وقدرة ، وإرادة ، وكلام ، وغيرها . وأوصاف العبد كلها قصيرة متناهية ، وقد يمد الحقّ عبده بصفة من صفاته التي لا تتناهى « 1 » ، فإذا أمده بصفة الكلام تكلم بكلام تعجز عنه العقول ، لا يقدر على إمساكه ، فلو بقي يتكلم عمره كله ما نفد كلامه ، حتى يسكته الحق تعالى . وقد كان بعض السادات يقول لأصحابه ، حين يتكلم عليهم : إني لأستفيد من نفسي كما تستفيدون أنتم منى ، وذلك حين الفيض الإلهى . وإذا أمده بصفة القدرة ، قدر على كل شئ ، وإذا أمده بصفة السمع ؛ سمع كل شئ ، وإذا أمده بصفة البصر ، أبصر كل موجود . . وهكذا . وهذه الأوصاف كامنة في العبد من حيث معناه ، احتجبت بظهور أضدادها ؛ صونا لسّر الربوبية . واللّه تعالى أعلم . ثم برهن على كمال أوصافه ، فقال : [ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 29 إلى 32 ] أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 29 ) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ( 30 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 31 ) وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ( 32 ) يقول الحق جل جلاله : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ ؛ يدخل ظلمة الليل في ضوء النهار ، إذا أقبل الليل ، وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ ؛ يدخل ضوء النهار في ظلمة الليل ، إذا أقبل النهار . أو : بإدخال جزء

--> ( 1 ) أي : يمد اللّه عبده المخلص ببعض أنوار صفة من صفاته ، فقد يمده بنور من صفة العلم ، أو بنور من صفة القدرة ، أو بنور من صفة العزة ، أو بنور من صفة الكلام . . إلخ . أما أن يمده بصفة لا متناهية من صفاته اللامتناهية . . فهو أمر غير منصور ، فالرب رب ، والعبد عبد ، واللّه ليس كمثله شئ .